ابن كثير
218
البداية والنهاية
القيسارية من الدور والمساكن والمدارس ، واحترق جانب من المدرسة الأمينية إلى جانب المدرسة المذكورة وما كان مقصودهم إلا وصول النار إلى معبد المسلمين ، فحال الله بينهم وبين ما يرومون ، وجاء نائب السلطنة والأمراء وحالوا بين الحريق والمسجد ، جزاهم الله خيرا . ولما تحقق نائب السلطنة أن هذا من فعلهم أمر بمسك رؤس النصارى فأمسك منهم نحوا من ستين رجلا ، فأخذوا بالمصادرات ( 1 ) والضرب والعقوبات وأنواع المثلات ، ثم بعد ذلك صلب منهم أزيد من عشرة ( 1 ) على الجمال ، وطاف بهم في أرجاء البلاد وجعلوا يتماوتون واحدا بعد واحد ، ثم أحرقوا بالنار حتى صاروا رمادا لعنهم الله ، انتهى والله أعلم . سبب مسك تنكز لما كان يوم الثلاثاء ( 2 ) الرابع والعشرين من ذي الحجة جاء الأمير طشتمر من صغد مسرعا وركب جيش دمشق ملبسا ، ودخل نائب السلطنة من قصره مسرعا إلى دار السعادة ، وجاء الجيش فوقفوا على باب النصر ، وكان أراد أن يلبس ويقابل فعذلوه في ذلك ، وقالوا : المصلحة الخروج إلى السلطان سامعا مطيعا ، فخرج بلا سلاح ، فلما برز إلى ظاهر البلد التف عليه الفخري وغيره ، وأخذوه وذهبوا به إلى ناحية الكسوة ، فلما كان عند قبة يلبغا نزلوا وقيدوه وخصاياه من قصره ، ثم ركب البريد وهو مقيد وساروا به إلى السلطان ، فلما وصل أمر بمسيره إلى الإسكندرية ، وسألوا عن ودائعه فأقر ببعض ، ثم عوقب حتى أقر بالباقي ، ثم قتلوه ودفنوه بالإسكندرية ( 3 ) ، ثم نقلوه إلى تربته بدمشق رحمه الله ، وقد جاوز الستين ، وكان عادلا مهيبا عفيف الفرج واليد ، والناس في أيامه في غاية الرخص والامن والصيانة فرحمه الله ، وبل بالرحمة ثراه .
--> ( 1 ) صودروا بنحو ألف درهم ، وصلب منهم عشر نفرا ( تذكرة النبيه 2 / 313 ) . ( 2 ) في بدائع الزهور 1 / 1 / 478 : يوم السبت ثالث عشر ذي الحجة . وفي السلوك 2 / 495 والنجوم الزاهرة 9 / 113 : نهار الثلاثاء الحادي والعشرين ذي الحجة . وعن سبب القبض عليه أشار في بدائع الزهور إلى تمنعه عن الإجابة إلى طلب السلطان إليه بالمسير إلى القاهرة ورغم تكرار الطلب . أما المقريزي فيرى لتغير السلطان عليه أسبابا أخرى ، قال : أنه كان يكتب إلى السلطان يستأذنه في سيره إلى ناحية جعبر ، فمنعه السلطان من ذلك لما في تلك البلاد من الغلاء ، وألح في الطلب والجواب يرد بمنعه حتى حنق عليه السلطان - فقال تنكز : - والله لقد تغير عقل استاذنا وصار يسمع من الصبيان الذين حوله والله لو سمع مني لكنت أشرت عليه بأن يقيم أحد أولاده وأقوم أنا بتدبير أمره ، فكتب بذلك إلى السلطان ، وذكر سببا آخر : أن تنكز غضب على بعض مماليك الروم - ومنهم جوبان - فكتب السلطان يشفع بجوبان فلم يجبه تنكز في أمره رغم إلحاحه في أمره فاشتد غضب السلطان عليه . ( 3 ) وكان ذلك يوم الثلاثاء نصف المحرم سنة 741 ه ( انظر تاريخ الشجاعي ص 71 - 89 والمصادر السابقة في الحاشية السابقة ) .